أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
10
شرح مقامات الحريري
ريحه ، والجسم قبض روحه ؛ فانضاف من فوائد هذا التأليف البديع - إلى الفوائد الملتقطة من الألسنة والمأخوذة من التصانيف المستحسنة - روض كله زهر ، وسلك كله درر ، وأدب إن لم يجمعه التصنيف فهو بعد عين أثر . فاستخرت اللّه تعالى في ضمّ ما انتشر من فوائدها ، ونظم ما انتثر من فرائدها ، والاعتناء بتأليف في المقامات يغني عن كل شرح تقدم فيها ، ولا يحوج إلى سواه في لفظ من ألفاظها ولا معنى من معانيها ، فتم من ذلك مجموع جامع وموضوع بارع أودعته من اللغات أصحّها وأوضحها ، وأسلسها قياد لفظ وأسمحها ؛ وأولاها بالصواب في مظانّ الاختلاف وأرجحها ؛ ونسبت المشكل منها إلى قائله من جهابذة العلماء ، وجمعت بين مشهور اللغات ومشهور الأسماء ، وسبكت العبارة عن المعاني سبكا يدل على الإلغاء والإصغاء . وهذا الفصل وإن سبقني إليه من تقدمني من الشارحين قبلي ، فلي فيه مزية إيراد اللفظ البعيد عن الإشكال ، والمطابقة بين الأقوال وأرباب الأقوال . ثم زدت في فوائد هذا التأليف التعريف بالأمصار المذكورة في المقامات على أوفى ما يمكنني ؛ من ذكر مواضعها وأقدارها واختطاطها ، ومن عقد صلحها ، أو تولى فتحها ؛ وهذه فوائد لا يخفى مكانها ، ولا ينكر استحسانها بالحاجة إلى التعريف بالمكان ، تتلو الحاجة إلى غوامض اللسان . ثم استوعبت شرح الأمثال ونسبتها ، جمعا بين القائلين والأقوال ، ولم أغفل منها الكثير الدّور ولا القليل الاستعمال ، وهذا الفن لم يتبعه أحد على الكمال ، وإن ذكره فإنما يذكره استطرادا بحسب الحال . ثم استوفيت أيضا ذكر من وقع فيه من الرجال والنساء أتم استيفاء ، وعرّفت المشتهرين من الأدباء والأبناء ، وبنيت أنسابهم وأمكنتهم ، وأخبارهم وحرفتهم ، وآثارهم ومدتهم ، وزيادة في التهمّم والاعتناء ، وهذا الفن أيضا لم يورده الشارحون حقّ إيراده ؛ ولا اعتمدوه بالتبليغ حقّ اعتماده ، وهو مهمّ في الإفادة ، على مغفلة في الوقت وبعده الإعادة . ثم زدت فيه فصلين مفيدين لم أر من اعتنى بهما ، . ولا من قصد قصدهما . سوى أبي سعيد الفنجديهيّ في بعض المواضع ، فإنه ألمح وألمع ، وأورد اليسير فما شفى ولا أقنع : أحدهما تبيين مأخذ الحريري في الكلام ، وإخراج الاحالات المودعة فيه من حيز الإبهام والرد إلى المنشأ في آية أو أثر أو خطبة أو خبر ، أو حكمة فائقة ، أو لفظة رائقة ، أو بيت نادر ، أو مثل سائر ؛ وهذا تتميم بيّن ، وتكميل متعيّن . والفصل الثاني : التنبيه على صناعة البديع ، وتوفية أسمائه ؛ كالتجنيس والتتميم والترصيع ، والإتيان بهذا النوع من التبيين والتنبيه على الجميع ، وبسط أنواع الأدب